ابن قتيبة الدينوري
755
الشعر والشعراء
1378 * قال حمّاد عجرد : كنت أنا وحمّاد الرواية وحمّاد بن الزّبرقان النحوىّ وبكر بن مصعب المزنى ( مجتمعين ) ، فنظر بعضنا إلى بعض ، فقلنا : ما بقي شئ إلا وقد تهيّأ لنا في مجلسنا هذا ، فلو بعثنا إلى أبى عطاء السندىّ ، فأرسلنا إليه ، فقال حمّاد بن الزبرقان : أيّكم يحتال لأبى عطاء حتّى يقول : « جرادة » و « زجّ » و « شيطان » ؟ ! قال حمّاد الرواية : أنا ، فلم يلبث أن جاء أبو عطاء ، فقال : مرهبا مرهبا ، هيّاكم اللَّه ! ! قلنا : ألا تتعشّى ؟ قال : قد تأسيّت ، فهل عندكم نبيذ ؟ قلنا : نعم ، فأتى بنبيذ ، فشرب حتّى استرخت علابيّه ( 1 ) وخذيت أذناه ( 2 ) ، فقال حمّاد ( الرواية ) : كيف بصرك باللَّغز يا أبا عطاء ؟ قال : هسن ، قال : فما صفراء تكنى أمّ عوف * كأنّ رجيلتيها منجلان ؟ قال : زرادة ، قال : أصبت ، ثم قال : فما اسم حديدة في الرّمح ترسى * دوين الصّدر ليست بالسّنان ؟ قال : ذرّ ، قال : أصبت ، ثم قال : فتعرف منزلا لبنى تميم * فويق الميل دون بنى أبان ؟ قال : في بنى سيطان ، قال أصبت ( 3 ) .
--> ( 1 ) العلابى ، بتشديد الياء : جمع علياء ، بكسر العين وسكون اللام والمد ، وهو عصب العنق . ( 2 ) خذيت الأذن : استرخت من أصلها وانكسرت مقبلة على الوجه . ( 3 ) هكذا روى ابن قتيبة ورواها صاحب الأغانى على وجه آخر عن المدائني : « أن يحيى ابن زيد الحارثي وحمادا الرواية كان بينهما وبين معلى بن هبيرة ما يكون مثله بين الشعراء والرواة من النفاسة ، وكان معلى بن هبيرة يحب أن يطرح حمادا في لسان شاعر يهجوه . قال حماد الرواية : فقال لي يوما بحضرة يحيى بن زياد : أتقول لأبى عطاء السندي أن يقول في زج وجرادة ومسجد بنى شيطان ؟ قال : فقلت له : فما تجعله لي على ذلك ؟ قال : بغلتي بسرجها ولجامها ، قلت : فعدها على يدي يحيى بن زياد ، ففعل ، وأخذت عليه موثقا بالوفاء ، وجاء أبو عطاء السندي فجلس إلينا ، فقال : مرهبا مرهبا ، هياكم اللَّه ! فرحبت به ، وعرضت عليه العشاء . فقال : لا هاجة لي به ، فقال : عندكم نبيذ ؟ فأتيناه بنبيذ كان عندنا فشرب حتى احمرت عيناه واسترخت علابيه ، ثم قلت : يا أبا عطاء إن إنسانا طرح علينا أبياتا فيها لغز ولست أقدر على إجابته البتة ، ومنذ أمس إلى الآن ما يستوى لي منها شئ ، ففرج عنى ! قال : هات ، فقلت : أبن لي إن سئلت أبا عطاء * يقينا كيف علمك بالمعاني ؟ فقال : خبير عالم فاسأل تجدني * بها طبّا وآيات المثاني فقلت : فما اسم حديدة في رأس رمح * دوين الكعب ليست بالسنان ؟ فقال أبو عطاء : هو الزّزّ الذي إن بات ضيفا * لصدرك لم تزل لك عولتان قلت : فرج اللَّه عنك ، تعنى : الزج . فما صفراء تدعى أمّ عوف * كأنّ رجيلتيها منجلان ؟ فقال : أردت زرادة وأزنّ زنّا * بأنك ما أردت سوى لساني ! قلت : فرج اللَّه عنك وأطال بقاك ، تريد « جرادة » و « أظن ظنا » ، فقلت : أتعرف مسجدا لبنى تميم * فويق الميل دون بنى أبان ؟ فقال : بنو سيطان دون بنى أبان * كقرب أبيك من عبد المدان قال حماد : فرأيت عينيه قد احمرتا ، وعرفت الغضب في وجهه . وتخوفته ، فقلت : يا أبا عطاء ، هذا مقام المستجير بك ، ولك النصف مما أخذت ، قال : فاصدقنى ؟ قال : فأخبرته ، فقال لي : أولى لك ! قد سلمت وسلم لك جعلك ، خذه ، بورك لك فيه ، ولا حاجة لي فيه فأخذته ، وانقلب يهجو معلى بن هبيرة » .